Mittwoch, 23. September 2009

السردية الخامسة

إسباتس

في هذه الأثناء تم تدشين عصر التصحر حيث قرر عدد كبير من الناس شراء قطعة أرض من الفلاحين والبناء عليها بعيداً عن زحام القاهرة عليها ووقع اختيار جدي على قطعة أرض في منطقة إسباتس حيث مقر شركة لإنتاج المياه الغازية حملت نفس الاسم تقع على بعد خمسة كيلو مترات من أهرامات الجيزة نهاية شارع عز الدين عمر وهو طريق جميل ورومانسي تظلله العشرات من أشجار الكافور العالية وخلفها تتناثر بضع فيلات هجرها أصحابها وأجرت بعضها لشركات السينما. يتفرع هذا الشارع من شارع الهرم وينتهي بترعة تمتد غرباً إلي قرية الكوم الأخضر المجاورة والتي كنا نجلس على حافتها ورغم أنها لا تزيد عن مترين عرضاً لكن ظللنا نعتقد ولزمن طويل أن الوحيد الذي يستطيع اجتيازها قفزاً هو جمال عبد الناصر نفسه

وانتقلت العائلة ومن لم يتزوج من الأبناء بعد للسكن الجديد، كان عدد سكان الحي الجديد لا يتجاوز العشرة عائلات، عائلة عم عبد الرازق الطعمجي المحافظة ، وزوجته العوراء وبنتان مهذبتان على درجة متواضعة من الجمال لعب المكان دورة في بوارهن بجانب دور الأب والأم المحافظين، ومنزل حنفي الترزي وزوجتاه اللتان تساعداه في ورشة الخياطة، وخلفنا منزل لاحد تجار الحديد والأسمنت والذي بني بيت كبير خصص جزء منه مخزناً لبضاعته، ومنزل آخر لسيدة فتحت محلاً لبيع البقالة ظللنا ندعوها بالحاجة أم فرنسا قبل أن نعرف فيما بعد أنها لم تغادر البلاد حتى موتها، ومنزل أخر يبعد عن منزلنا بمسافة لأسرة كثيرة البنات كلهن جميلات صرن أعجوبة الحي عندما أمتد العمران للمكان، واسرة عم ثابت النجار وهي الأسرة المسيحية الوحيدة في الحي الوليد، عائلها شخص بدين مهذب مجد في عمله، ينطبق عليه المثل الشعبي الشهير فبصمته المبدعة على كل أبواب بيوت الحي لا تتطابق مع ما على باب بيته من إهمال

شارك هؤلاء الملاك الحياة في الحي الوليد ثلاث عائلات آخرى بدون إندماج، العائلة الأولى لأحد البسطاء عينه أحد الملاك غفيرا على بنايته التي لم يكتمل العمل فيها، أسرة ريفية طحنها الفقر في القرية ففرت للمدينة، والأخيرة لفظتها على هامشها. كان للأسرة أبنه فائرة ومغرية ظلت لسنوات صمام أمان لشباب الحي نظير قروش قليلة قبل أن تختفي فجاءة لتعود مرة أخري وتبني بيتاً للأسرة، ورغم هذا الحراك عانت الأسرة من مقاطعة الحي لها. الأسرة الثانية هي أسرة عبد الرحيم المكوجي ظهر فجأة في الحي مع زوجته وأبنه الشاب وبنى كوخ صغير وأسس مكان منه للعمل كاكواء للملابس وفي شهر رمضان يقوم بدور المسحراتي. الأسرة الثالثة ظهرت أيضاً فجأة واحتلت أحد المنازل الذي لم يكتمل فيه البناء كنا نسميها الخرابة، كان رب العائلة يعمل سمكريا لبوابير الجاز وقبل رمضان ببضعة أسابيع يتخصص في صنع فوانيس رمضان من بقايا الصفيح والزجاج الذي يجمعه طيلة العام لهذا الغرض، كان له ولدين يعملان معه إلى جانب عمل إضافي للابن الأكبر وهو ضخ مياه الترمبة لملء الخزانات المبنية فوق الأسطح وكان حلو الصوت كثير الغناء وصار أضحوكة الحي حيث أغانيه لم تتجاوز أغاني الكفاح والحرب، وكثيراً ما كان يندمج في الحالة ولا يفيق إلا على صراخ أهل البناية لأن الخزانات تفيض على السطح وإن المياه بدأت تتسرب للشقق. كان خجول قليل الكلام وكان يخشانا نحن الأطفال رغم ضخامته وقوة عضلاته ويرد على سؤالنا بخجل يناطح خجل العذارى، لماذا تغني فقط هذه الأغنيات؟ فيرد قائلاً: أنه يريد التطوع في الجيش دفاعا عن الوطن، يومها لم أدرك أنه لا يمتلك سنتيمتر واحد من أرض هذا الوطن ولا الخرابة التي يأوي إليها بعد يوم مفعم بالشقاء

كان الحي ينام بعد صلاة العشاء وكانت أغلب بيوته بلا كهرباء وكانت مغادرة المنزل بعد صلاة العشاء مغامرة حقيقية ليس بسبب انعدام الآمان بل بسبب الظلام الدامس الذي يعم كل شيء فقد كان شارع الهرم آنذاك من محطة المحافظة إلى نزلة السمان واحة خضراء مبهجة في النهار مرعبة في الليل أما المحطات الأساسية على الطريق مثل التعاون وحسن محمد والطالبية والكوم الأخضر وإسباتس إلى آخره لم تكن سوى بؤر سكنية لا يتعدى عمقها كيلو متر واحد وبعدها تلتهم الحقول مجال البصر. وكان الهدوء يلف كل شيء
حتى أنه في كثير من الليالي كان يصلنا صخب كبارية الليل الذي أسسته شريفة فاضل بعد توبتها والذي يبعد عن إسباتس بخمس كيلو مترات تقريبا فكان صوت الشريفة الفاضلة يأتينا خافتاً: الليل ... الليل ... بيو (صوت جيتار) الليل موال العشاق


لم يفتقد الحي السوق فقد كان آنذاك محاط من كل جانب بحقول لا نهاية لها وكنا نتجول فيها وبقروش قليلة وأحياناً بمجرد إلقاء التحية أو بسبب دور جدي الهام في حياتهم من طهور وضرب الحقن ووصفاته التي لا تمت بصلة للطب- ندخلها ونحصل منها على الأته والشمام والبطيخ والبامية والملوخية والكوسة واللفت والجزر الأحمر وكيزان الدرة والكرنب والخيار والفلفل الرومي وكذلك البرسيم للأرانب وخروف العيد. وكانت الفلاحات يتجولن يومياً داخل الحي لعرض منتجاتهن من الجبنة القريش واللبن الرايب والزبدة والعيش المرحرح

من كل هذه الغيطان الواسعة لم ينصب عشقي إلا على حقل للقمح بجوار المدرسة في الكوم الأخضر، ومنها كان ينفجر حزن وإنكسار وانا أرى الحقل يتقزم في كومة ضئيلة الحجم من القمح بعد مجهود قاس من حش المحصول ودراسته بالنورج لساعات طويلة وغربلته لفصل التراب عن حباته

منذ البداية والكهرباء في المنزل أما المياه فكنا نحصل عليها بضخها من طرمبة بناها جدي في الفناء الخلفي للبيت وأصبح من واجباتي اليومية نقل المياة منها في صفيحة لخزان في الحمام وزير للشرب في الصالة. العجيب أني أكتشفت ما لم أتوقعة وما زال حتى اليوم مثيرا للتساؤل كيف استطاعت جدتي وهي ابنة الحي الشعبي جنوب القاهرة أن تبرز تلك البراعة في الخبيز باستخدام الجلة المصنوعة من روث البقر والجاموس والتبن التي كنا نشتريها من الفلاحين لتحمية الفرن، وتزغيط البط والأوز من أين تعلمت جدتي هذه المواهب، كانت تدهشني وأنا اراقبها وهي تنزل راحة يدها اليمنى في العجين المختمر داخل المجور وتخرجها بكمشة منه وتسقطها عدة مرات في يدها اليسري المملوءة بالدقيق حتى تصير مثل ثدي بض ابيض ملء الكف وتسقطه مع أخواته على طاولة من الخشب فتلين أوصاله وينام في هدوء يواصل تخمره، وبعد أن تكتمل عملية التخمير تأخذ كل ثدي بحنان وحرص بالغين وتبدأ بالتقريص ثم الفرد بالمطرحة ثم وضعه داخل الفرن الذي بناه جدي على سطح البيت بمساعدة أولاده الصبيان وبعد دقائق يخرج رغيف بلدي ساخن له طعم لا يوصف إلا بجملة واحدة: يتاكل حاف

كما برعت جدتي في تربية الطيور والأكثر غرابة ما حوته حديقة المنزل من الخضراوات وجزء منها ظللته تكعيبة لنبات اللوف أو الليف كما يسميه البعض. حتى اليوم لا أعرف من أي مخزون ثقافي نهلت منه هذه الأمية البلهاء التي تزوجت وهي في التاسعة وكيف أدارت هذا العالم وحدها بدخل ضئيل بكل المقاييس
.
كانت ثمة تقاطعات بينها وبين امينة في ثلاثية عم نجيب لكنها كانت أكثر قوة منها وجراءة على زوجها فقد كانت تدفعه بقوة فخزيها بعيداً إن هو أراد النوم معها دون رغبتها، وقد رأيتها بعيني تركب فوقه لتسلبه ما أخفاه من مال لزوم الشرب وهو مستسلم لها بحب رغم صوته العالي بالشتائم عليها وعلى اللي جابوها

كانت الحياة في الحي تسير بطيئة وكأنها خارج الزمن ولا تعبأ بما يحدث خارجها وكان لا يسمم هذه الوتيرة سوى عملية نزح الطرنش التي كانت تتم مرة في العام حيث يصل ثلاث عمال يفتحون غطاء البكبورت وينزحون غائط العام المنصرم المختمر فتعم المكان رائحة نتنة قد تستمر ليومين

كان لجدتي أخ يكبرها أدعوه بـ " خالي سيد " وكان له زوجة طيبة أحبها لسخائها معي بالأحضان والحلويات وقروش تدسها في يدي في نهاية كل لقاء وكان لها ابنه بضة أسمها فاطمة وندللها بـ بطة وكانت تلاعبني وتحبني كثيراً
وبمقدمات لا أعلم عنها شيئاً انضمت فاطمة للبيت بعد إعادة دهان الدور الثاني من البيت ووصول عفش جديد
هي زوجة خالي أحمد وقد تم الزفاف في هدوء بعد وفاة أمها
سعدت كثيراً لمقدمها فكنت أراها أقرب أفراد البيت لي من حيث السن كانت تجلس معي تعلمني القراءة والكتابة وحفظ القرءان. وكم كانت سعادتي عندما يكون خالي في وردية الليل في مصنعه في حلوان فتدعوني للنوم عندها فاندس بين كتل ندية من اللحم الدافئ

لا أعرف لماذا أراد جدي انتزاعي من أحضان فاطمة فقد قرر أن يرسلني لكتاب الشيخ سويلم في قرية الكوم الأخضر المجاورة لحفظ القرءان. هل كان الشيخ سويلم فارع الطول حقاً أم هي فقط ذكرياتي عنه عندما كنت صغيرا لا أعرف لكنه كان بلباس أزهري تقليدي بعمة جميلة شدت انتباهي وكان يعاقبنا بالضرب بقطعة من الجلد على أطرافنا ويوما ضقت بهذا العقاب فخطفت عمته وجريت بها وجرى ورائي وقطعت المسافة بين الكوم الأخضر وحي إسباتس جريا وهو ورائي يصرخ غير عابئ بوقاره : هات العمة يا ولد،هات العمة يا ولد! وعندما اقترب مني رميت بالعمة في الترعة قبل أن أصل للبيت وأخفي نفسي في حجرة الخبيز على السطح، ولم تفلح محاولات جدي في تسوية الأمر مع الشيخ سويلم وانتهى الموضوع بحرماني من الكتاب وقد حزنت العائلة من الأمر الذي اعتبرته أنا انتصارا وعدت مرة أخرى لأحضان فاطمة لتحفظني ما تيسر من الذكر الحكيم