شق التعبان وتل العقارب
لو ترك المرء خلفه صخب ميدان محطة مصر صوب الجنوب، هناك بين شارع الجمهورية وشارع الفجالة يقع شارع يحمل اسم كبير أطباء محمد علي "كلوت بك " ينطقه العامة ببعض التحريف " كلوبيه" وهو الشارع الوحيد من الشوارع الثلاث الذي احتفظ بسماته العتيقة رغم بعض البنايات الجديدة التي ظهرت في الستينيات، حيث مازالت تظلل رصيفيه بواكي البنايات
بعد عشرات الخطوات وعلى اليسار وإن لم ينتبه المرء لاستقامة الطريق سيجد نفسه منزلقا في شارع باب البحر، رغم كونه أكثر ضيقاً وأقل صخباً ليفضي بك إلى ميدان باب الشعرية مروراً بسوق البقر
أول حارة في شارع باب البحر تقع على يمينك تسمى حارة شق الثعبان، ربما كان أصل التسمية راجع لكونها تتلوى في منحنيات لتعيدك ثانية إلى شارع كلوت بك
هنا يا سادة كان يعيش جدي محمد وجدتي فاطمة وفيها ولد أبي في أجواء الغضب وحظر التجول الذي أعقبا نفي سعد زغلول ورفاقه لجزيرة مالطة في مارس 1919 وبعدها بأعوام قليلة توافد الباقون من أخوته وأخواته
كان جدي محمد المورد الأساسي للمنتجات الألبانية لمعسكرات الإنجليز وقشلاقاتهم في العباسية وفي ميدان نهضة مصر وهو المكان الذي تحتله الآن عمارة رمسيس ، وقد وفرت له تجارته تلك مستوى معقول من المعيشة وزادت أبقار حظائره لكن شيطان الملذات شده لحظيرته فطلق زوجته( أقصد هنا جدتي فاطمة ) وتزوج من فتاة بضة جميلة كما تشهد بذلك اليوم حفيدتها لكنه أنغمس في تعاطي الأفيون حتى أفلس
كانت جدتي مازالت أنثى فيها الرمق، مطلقة وحيدة مع طفلين وكانت مطمع رجال الحي ، أسلمت نفسها لأول طارق للزواج من أجل دعم عام يصون كرامتها معنوياً ومادياً لكنه توفي بعد بضع سنين بعد أن أنجب منها ولد سموه حافظ وبنت سموها عطية
كان على فاطمة (جدتي) أن تتعامل مع الوضع الجديد فعملت في الدلالة لتربية الأطفال، وأرسلت أكبر أبنائها (أبي) للعمل في ورشة للخراطة، كان عمر أبي آنذاك سبع سنوات. وعندما وصل ابنها الثاني حسن لنفس السن لحق به في سوق العمل وهما من توليا عمليا الأنفاق على الأسرة حتى وقفت علي قدميها مرة أخرى بعد سنوات مريرة من الكفاح حتى أتم حافظ تعليمه الثانوي وألتحق بأول دفعة للكلية الحربية بعد حركة الجيش عام 1952 وتزوجت عطية من مكوجي بلدي للملابس
و تنقل أبي خلال حياته في عدد من الورش إلى أن انتهى به المقام في شركة قناة السويس والتي ظل يعمل بها حتى ألغت حكومة النحاس معاهدة 1936 فتم استيعابه في ورش السكة الحديد، كان أبي آنذاك في السادسة والعشرين عندما تسلم عمله في القنال وبعد أن تسلم أول أجر له وفي أول أجازة له صحب جدتي إلى الموسكي لشراء كسوة لها ولاخوته وكانت جدتي تتعامل مع إحدى تاجرات الموسكي تدعى أم يوسف تأخذ منها ما تحتاجه لعملياتها التجارية المتواضعة بسعر الجملة وتسدد الثمن على أقساط وكذلك قررت جدتي أن تكسوا الأسرة بنفس الطريقة ، هناك كان اللقاء الأول بين أبي و يوسف وظل أبي لسنوات طويلة بعد ذلك يسرد علاقته بيوسف التي أثرت في إعادة تكوين نمط حياته ونظرته للعالم
0 Kommentare:
Kommentar veröffentlichen