Mittwoch, 23. September 2009

السردية الرابعة

إعادة التأسيس
كان أبي في الخامسة ولم يختن وكان هناك حلاق شاب يعمل في مستشفى القصر العيني يتجول في أحياء باب الشعرية عارضاً خدماته من ضرب السرنجات والطهور وعمل كمادات الهواء وعلاج الجروح وبعد تفاوض سريع أنجز مهمته لكن بدأت علاقة صداقة بين أسرة أبي وأسرة هذا الحلاق والتي توجت فيما بعد بزواج أبي بابنة هذا الحلاق ... أمي

لا فائدة يا سادة علينا مرة أخرى التقهقر للوراء
كان هذا الحلاق الابن الأكبر لأحد شيوخ الأزهر يدعي " عبد الفتاح هنيدي أبو المجد " وثابت في المصادر عنه أنه من جود القرءان الكريم للشيخ محمد رفعت في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي
وكان بيتهم يقع في حي تل العقارب في السيدة زينب وهو حي عشوائي بني على هضبة تعلو سطح الأرض بعدة أمتار، أغلب منازله من الطوب اللبن ويفتقد للصرف الصحي ويحصل أهله على الماء من حنفية مياه عمومية، شب هذا الشاب وعلى خلاف الشيخ الأب محباً للشرب وزير نساء رغم كونه من حفظة القرءان
و كان يردد دوما أنه لن تمسسه نار جهنم مهما فعل من معاصي لأنه من حفظة القرءان مستشهداً بذلك بنص قرأني او حديث شريف لا اذكر

حاولت الأسرة تقويمه بطرق شتى بلا فائدة وفي النهاية قرروا تزويجه وكان لهم جار يدعى محمد أبو العلا له من البنات ثلاث، كبرهن في التاسعة أسمها عائشة زوجوها له وبقت في منزل أبيها قرابة ثلاث سنوات حتى بلغت مقام النساء
فانتقلت لبيت الزوجية وبعد عام كانت هذه الطفلة ذات الأربع عشر عاما تحمل على يديها طفلها الأول " محمود" وبعد عامين آخرين جاء الطفل الثاني " حلمي" الذي صعد نجمة في الإتحاد الإشتراكي في دائرة عين الصيرة ومازالت حتى اليوم محطة للحافلات تحمل اسم التنظيم المذكور. ثم الطفل الثالث " أمي" والرابع طفلة
أسموها " تحية" سقطت من البلكونة وهي في سن الثالثة وتحطمت جمجمتها وماتت على الفور، ثم جاء الطفل الخامس" فوزي" الذي شاءت له المقادير الإلهية وتحت رعاية النظام الناصري أن يضيع مع من ضاعوا في صحراء سيناء إبان حرب الأيام الستة، وبعد فترة جاء الطفل السادس " أحمد" ثم وبعد عدة سنوات من الهدنة جاء أخر العنقود خالي عبد الناصر الذي جاء الدنيا في نفس العام الذي حدث فيه انقلاب عساكر الجيش على السلطة في مصر

أعتقد أن جدتي لم تكن تعرف القائد الحقيقي لهذه الحركة وأن الأمر كله محض صدفة وهذا ما أنكرته وظلت دائما تؤكد على تدخل الإلهام في اختيار هذا الأسم في هذا التوقيت
تميز كل الأبناء بأجساد صحية ورثوها من الأم، وبعضلات مفتولة من تأثير العمل الشاق، وندرة الشعر الذي كان ووفقا لفتوى جدي علامة للطهر والنقاء، كذلك كانوا كثيري الأطفال

عاشت أمي وهي العنصر الأنثوي الوحيد بين الأبناء ككم مهمل مضغوط من جميع عناصر الأسرة. وعندما بلغت العشرين كان هناك لقاء على مستوى مغاير بأبي بهرها بمعسول الكلام عن عالم جديد هو نفسه لا يمتلك رؤية كاملة عنه

لم يكن غريباً عنها فهي تعرفة فقد كانت تأتي كثيراً مع أمها لزيارة أمه في باب البحر وكان أحيانا يعطيها مليم أو عشرين خردة لشراء براغيت الست أو النداغة، وكانت تنظر له مقام الأب فهو يكبرها بعشرين عاماً
أما اللقاء المغاير فقد كان في حارة اليهود عند دكان أم يوسف بياعة الأقمشة والخرداوات بعد أحداث فضيحة لافون الشهيرة، وكان هو على باب المحل مع يوسف يشكو له قلق ما بقي من الطائفة اليهودية على وضعها بعد إختراق الموساد الإسرائيلي الأخير للطائفة اليهودية وتجنيد عدد منهم في أعمال تخريبية لتشويه علاقة مصر بالغرب ومن ثم إعادة تسميم العلاقة بينها وبين باقي طوائف الشعب
وعندما هلت أمي لم يستطيع أبي منع دماغه من مغادرة جو النقاش الجاد والحزين والتركيز في الطفلة التي لم تعد طفلة، ولاحظت هي تلك النظرات وبنظراتها مهدت له طريق لهذا التعارف المغاير، فودع رفيقه لأخر مرة ولحق بها

أشترت أمي آنذاك بعض الملابس والخردوات على أن تقسط ثمن المشتروات شهرياً وقد حكت أمي فيما بعد أن هذا اللقاء مع أم يوسف كان اللقاء الأخير فقد ذهبت في الشهر التالي لسداد القسط فلم تجد أي أثر للعائلة وعرفت أنهم هاجروا أو بمعنى أدق هٌجروا من البلاد. وبعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية نصحت أمي ألا تتحدث عن هذا الموضوع علانية خوفا من عودة ام يوسف ومطالبتها بأصل المبلغ وفوائده في الخمسة والعشرين عاماً الماضية. أما يوسف فقد ظل فترة طويلة رهن الاعتقال وبعد العدوان الثلاثي تقرر الإفراج عنه وفقاً لتفاهمات إنسحاب إسرائيل من سيناء لكنه ورفاقه رفضوا أن يتم الإفراج عنهم وفقاً لهذه التفاهمات رافضين بذلك تدخل إسرائيل في الموضوع، وبعد أشهر أفرج عنه وغادر البلاد إلي فرنسا وعاش تفاصيل عالم آخر نجهله وإن ظلت سيرته لأعوام طويلة حاضرة كلما ذكر أي شيء عن يهود مصر

وبدأت اللقاءات بين أبي الذي بدأ عقدة الرابع آنذاك مع أمي التي لم تكن قد أكملت بعد عقدها الثاني

كانت ظلال يوليو في هذه الأثناء تتوغل في حواري القاهرة وتنتزع بعض شرائح المجتمع من قاعة وتعيد توظيفها في مكينة القهر الجديدة فوجدت أمي فرصة عمل في أحد المصانع في شبرا وبهذا الحراك الضئيل في حياتها المدعوم بالشعارات الرنانة بدأت تكتسب عناصر قوة جديدة لم تعرفها فتيات الأجيال السابقة
كان اللقاء بين أبي وأمي حتمي فمن ناحيتها تريد أن تسثمر الحراك الذي وفره النظام الجديد بالخروج من سطوة الأب والأم والأخوة الذكور والخروج بالتالي من عالم المهمشين، أما ابي فقد وجد ضالته في كائن منبهر به يعوضه عن تاريخة الطويل من الحرمان إلى جانب سبب مهم يتمثل في القلوظة التي تمتعت بها أمي والتي ورثتها من جدتي رغم صغر حجمها الذي ورثته من جدي

لم توافق أسرة أمي في البداية على الزواج وقد قاد حملة الرفض تلك جدي ووجدتي، فبرغم كون جدي زير نساء قراري ونهمة الذي يفاخر به للطعام والشراب رفض الزيجة لكون أبي ملحداً وهذا أمر لم ينكره أبي رغم المضايقات التي كان يلاقيها والتي وصلت ذروتها عندما كون بعض من شباب الحارة والحارات المجاورة فريق لضربه يوميا على باب الحارة وهم يسبونه يا شيوعي يا كافر، لكنه ظل طيلة حياته مخلصاً للإلحاده ومدافعاً عنه حتى قبل موته بثانية حيث ردد ولأول مرة بصدق " الحمد لله"

كان رفض جدتي له ما يبرره لأن عريس أبنتها يكبرها هي نفسها بعام، . كان أبي آنذاك في الأربعين من عمرة وامي في العشرين وجدتي في التاسعة والثلاثين. لكن وعندما أحست الأسرة بأن هناك علاقة بالفعل بين أبي وابنتها قررت الموافقة من أجل الستر

غادر أبواي عالم شق التعبان وتل العقارب بحصولهما على شقة من شقق المساكن الشعبية التي بنتها الدولة في أول شبرا على ناصية تقاطع شارعي أحمد حلمي وأحمد بدوي، وهي تتكون من عشر بلوكات لا يفصل أحدهما عن الآخر إلا بضع أمتار فإذا أطللت من شباك إحدى شققها يمكنك ما رؤية ما تطبخه الجارة في الشقة المقابلة، لا تزيد مساحة الشقة عن خمسين متر مربع تتوزع على حجرتين وحمام بلدي وركن للطبخ وبلكونة صغيرة وعندما جئت لهذا العالم جاءت معي ثلاث مشاكل الأولى تتمثل في العبء المالي للأسرة الوليدة والذي سيتفاقم إن تركت أمي العمل والثانية ضيق المكان والثالثة عبء التربية فقررا إرسالي إلى جدتي العجوز فاطمة لتتولى تربيتي نظير مبلغ شهري، وكانت أمي تزورني كل يومين فتجدني في أسوأ حال متسخ وبليل ومبربر ولا يهتم أحد بي فقررت نزعي من جدتي فاطمة وإرسالي لجدتي عيشة في الهرم وبذلك تختصر معناتها في رؤيتي يومياً إلى مرة في الأسبوع